لم يكن مستغربا الهجوم الذي شنه وزير الصحة سابقا النائب وائل ابو فاعور على شركات ومستوردي الادوية، فالعلاقة بينهما مذ تولى الوزارة في العام 2014 لم تكن على أفضل ما يرام. لكن اللافت هو اقتراحه أن “تقوم الدولة باستيراد الدواء مباشرة بدلا منهم، بما يعفيها من دفع كلفة اضافية تذهب كأرباح الى الشركات، وكذلك من رسوم الجمارك، بما يساهم في خفض كلفة الدواء، ويساعد في وصوله الى عدد أكبر من المرضى المحتاجين والمستحقين”.
لكن اقتراح أبو فاعور مشوب بالاستغراب، كونه يعرف جيدا أن مزراب “الدولة” ليس أفضل صدقية وشفافية من “دلفة” الشركات، وأن ما سيوفره إقتراحه من سعر كلفة الأدوية، سيدفعه المرضى “إستذلالا” و”شحادة” عند أبواب السياسيين والنافذين، الذين قد يجدون في وضع الدولة يدها على استيراد الأدوية، فرصة ثمينة للمحاصصة في التوزيع على الناخبين، والتابعين والأزلام والمحاسيب.
ويبقى أيضا السؤال البديهي: لماذا لم يعمد أبو فاعور اثناء توليه الوزارة الى تبنّي هذا الاقتراح؟ والاهم من ذلك هو من أين ستؤمّن الدولة الدولارات “الطازجة” للإستيراد وهي بالكاد تؤمن التمويل اللازم لدعم استيراد القمح، عبر مصرف لبنان الذي يئن من كثرة إتكال الدولة على إحتياطاته، كما عبّر أخيرا حاكم البنك المركزي، وعدم جديتها في ضبط الهدر والفساد المالي المستشري في كل العقود والصفقات، كذلك إمتناعها عن اتخاذ إجراءات جدِية لضبط معابر التهريب الذي يستنزف احتياطات مصرف لبنان؟
نبدأ من نتائج زيارة وزير الصحة في حكومة تصريف الاعمال فراس الابيض الى أميركا والتي لم تخلُ من اجتماعات مع شركات الادوية العالمية تمحورت في غالبيتها على تأمين الادوية للأشهر الثلاثة المقبلة من دون انقطاع، مرورا بإمكان الدولة الاستيراد منهم مباشرة. وبدا واضحا من الأسئلة التي ركز عليها هؤلاء أنهم على اطلاع واسع على الأزمة التي يمر بها لبنان. فكان سؤالهم عن الديون المستحقة للشركات والتي تقدر بـ 400 مليون دولار، وما الذي يضمن أن الدولة ستدفع ما يتوجب عليها، وهي حتى الآن لم تسدد هذه المستحقات. الوزير الابيض طمأنهم الى أن الامور ستسير على ما يرام، وأن مستحقاتهم ستؤمن عبر حقوق السحب الخاصة. فكان الاتفاق على تأمين الادوية عبر الشركات اللبنانية للاشهر الثلاثة المقبلة.
أما بالنسبة الى استيراد الدولة للدواء مباشرة، فيؤكد الأبيض لـ”النهار” أن “ما يهمني حاليا هو تأمين الادوية للسوق المحلية للأشهر الاربعة المقبلة، وخلال هذا الفترة نكثف اجتماعاتنا مع الشركات العالمية لوضع أجندة لدخول كميات أكبر من الادوية الى لبنان بكلفة أقل”.
ولفت الى انه عقد اجتماعا مع المعنيين في مصرف لبنان، الذين أكدوا له البدء بتحريك أموال حقوق السحب الخاصة، على أن تشهد السوق انفراجات واسعة في الادوية خلال الاسبوعين المقبلين.
ويصر الابيض على ضرورة تأمين الادوية للسوق المحلية وخصوصا أدوية الامراض السرطانية والمستعصية الجديدة لأسباب عدة، “اولها أنه لا يمكن ترك المرضى من دون تأمين الادوية الفعالة لهم، ثانيها أننا سنشهد سياحة طبية من لبنان الى الخارج بحيث سيعمد المرضى الى بيع ما تيسر لديهم من عقارات وغيرها لتأمين أموال الإستشفاء. أما السبب الثالث فهو أننا يجب أن نحافظ على مستوى لبنان الطبي والإستشفائي”.
وكان أبو فاعور اقترح “ان تستورد الدولة الدواء مباشرة على نحو يعفيها من دفع كلفة اضافية تذهب الى الشركات، كما يعفيها من رسوم الجمارك التي تراكم ايضا الكلفة على الدولة، والتي اذا ما تخلصنا منها سيصل الدواء الى عدد اكبر من المرضى المحتاجين والمستحقين. وفي الوقت عينه نتخلص من الاعيب الشركات التي تتحكم برقاب المرضى، فتعمد الى حجب الادوية عن محتاجيها وتخفيها في مستودعاتها”. ولكن ألا تتطلب هذه الآلية وقتا؟ الحل جاهز لدى أبو فاعور، “إذ من الآن وحتى نجهز أنفسنا للاستيراد، يكون الحل بدعم المريض مباشرة من الدولة عبر إجازات الشراء على اساس سعر الدعم، على أن يشتري المريض الدواء مباشرة من السوق، وذلك استنادا الى قاعدة بيانات واضحة لكل المرضى، سواء لدى وزارة الصحة أو بقية الصناديق والمؤسسات الضامنة”، مؤكدا أن “تنفيذ هذا الامر لا يحتاج الى وقت ويمكن المباشرة به من دون أي تأخير”. وقال: “ان دعم المواطن مباشرة عبر اجازات الشراء وبناء على قواعد معلومات واضحة لدى وزارة الصحة والجهات الضامنة الاخرى يضمن وصول الدواء الى المريض المستحق ويخفف كلفة الاستيراد والدعم، وتاليا يعوض جزءا من النقص الحاصل حاليا في الدعم لتأمين الدواء لاكبر عدد ممكن من المرضى”.
وفي رده على سؤال عن المعوقات التي حالت دون اتخاذه قرار الاستيراد في فترة توليه وزارة الصحة، قال أبو فاعور: “في تلك الفترة لم يكن ثمة ازمة كتلك التي نشهدها حاليا، فلماذا تستورد الدولة اذا كانت الشركات ملتزمة شروط الوزارة؟”، لافتا الى القرار “الجريء” الذي اتخذه ويتعلق بأسس تسعير الدواء “والذي خفض كلفة الدواء على المواطن في بعض الادوية بنسبة 70% وبمعدل وسطي بنسبة 22% من ارباح الشركات ورسوم الجعالة”. وإذ سأل “ما الذي يضمن ان تعمد الشركات حاليا الى خفض اسعارها توازيا مع خفض الاسعار في دول المنشأ”، أوضح: “في السابق كنت أجري مراجعة دورية كل 6 أشهر على كل أسعار الادوية، وفي حال لم تلتزم الشركات كنت أحولها الى النيابة العامة. أما حاليا فأستبعد أن تلجأ الوزارة الى مثل هذه الاجراءات خصوصا أن الاوضاع لا تسمح بذلك”.
ولكن من أين ستأتي الدولة بالدولارات الطازجة لتمويل استيراد الادوية؟ يجيب أبو فاعور: “مصرف لبنان يؤمن للمستوردين كلفة استيرادهم الادوية على سعر صرف 1500 ليرة، فهو يدعم القطاع الصحي بنحو 45 مليون دولار، 25 مليونا منها للدواء، وباقي المبلغ للمستلزمات الطبية، وتاليا يمكنه أن يجيّر هذا المبلغ للدولة بدل الشركات”.
مصادر المستوردين استغربت اقتراح أبو فاعور، فالأخير وفق ما تقول “يعرف وزارة الصحة جيدا، ويعرف ان الدولة اللبنانية ليس لديها الاموال لتستورد. ويقول “عندما يسأل الوزير ابو فاعور لماذا لا تستورد الدواء مباشرة، وكأنه بذلك لا يعرف أن المشكلة ليست في أن تستورد الدولة أو لا تستورد. المشكلة الحالية هي في أن الدولة تمنع مستوردي الادوية من الاستيراد، فهي تريد دعم الدواء وفي الوقت عينه لا مال لديها للدعم، ولكنها لا تريد الافصاح عن نيتها عدم الدعم خوفا من ردة فعل الناس”.
وأوضحت المصادر أنه حتى تتمكن الشركات من الاستيراد على اساس سعر مدعوم، فعلى المستورد أن يحصل على إذن من وزارة الصحة بالسماح بالاستيراد، ولكن المشكلة أن مصرف لبنان لم يدفع للمستوردين حتى الآن مستحقات بـ 400 مليون دولار، إذ قام المستوردون ببيع الادوية على سعر الدعم، فيما هم اشتروا الدولار من السوق الموازية بنحو 28 ألف ليرة.
ورأت أن استيراد الدولة للأدوية دونه معوقات كثيرة، “أولها أنه لا تتوافر الدولارات للاستيراد، اضافة الى مشكلة فتح اعتمادات جديدة، والتخزين مع ما يستلزم ذلك من تأمين مخازن جديدة”… ووضعت كلام أبو فاعور في اطار “الشعبوية… فالدولة سرقت الناس وأفلست، فكيف يمكنها الاستيراد ومن أين ستؤمن الاموال؟”.
ch23
International Scopes – سكوبات عالمية إجعل موقعنا خيارك ومصدرك الأنسب للأخبار المحلية والعربية والعالمية على أنواعها بالإضافة الى نشر مجموعة لا بأس بها من الوظائف الشاغرة في لبنان والشرق الأوسط والعالم