كتب الأستاذ “عدنان الترك” في موقع سكوبات عالمية:
تعتبر الأزمة الاقتصاديّة التي مرّ بها لبنان والتي ما زالت تبعاتها منذ عام ٢٠١٩ من أقوى الأزمات في التاريخ الحديث، إذ أنّ خطورتها لم تكن على الصعيد الاقتصادي فقط بل شكّلت تهديدًا وجوديًا للبنان وأنذرت بانهيارات أمنية واجتماعيّة.
وفقًا لتقرير البنك الدولي الصادر في أيار ٢٠٢٤، شهد لبنان ارتفاعًا دراماتيكيًا في معدّلات الفقر؛ حيث قفزت نسبته من ١٢٪ عام ٢٠١٢ إلى ٤٤٪ عام ٢٠٢٤ (بناءً على مسوحات نقديّة)، بينما ترتفع هذه النسبة لتصل إلى ٨٠٪ عند اعتماد معايير “الفقر متعدّد الأبعاد” (الصحة،التعليم،الخدمات..)، فيما يعيش حاليًّا واحد من كل ستة لبنانيين أي حوالي ١٦.٦٪ تحت خط الفقر المدقع وهم العاجزون عن تأمين الحد الأدنى من الغذاء الأساسي. هذا الفقر لا يتوزّع بالتساوي بين المناطق، فبينما تسجّل نسبة الفقر مستويات متدنيّة نسبيًّا في بيروت، تصل في محافظة عكار في شمال لبنان إلى ٧٠٪ وهي أعلى نسبة فقر بين المناطق اللبنانيّة.
كما أصبح لبنان من الدول التي تعاني من أعلى مستويات انعدام المساواة في توزيع الدخل عالميًّا، حيث يعاني اللبنانيّون من “دولرة الاقتصاد” والتي أدّت إلى فروقات حادّة بين من يتقاضى راتبه بالدولار (الطبقة الميسورة الجديدة) تلك الفئة التي لم تؤثر عليها الأزمة بل على العكس استغل بعضهم حدوثها لتحسين أوضاعهم المعيشية والاجتماعية، و”الفقراء الجدد” الذين انقلبت أحوالهم وانخفضت مداخيلهم بشكل كبير وهم لا زالوا يتقاضون راتبهم بالليرة أو يعيشون بفتاتٍ من المسموح بسحبه من الودائع المصرفيّة المحتجزة. ومن جهة أخرى أصبح التعليم والطبابة حكرًا على من يملك المال، حيث أنّ ٨١٪ من الأسر اللبنانيّة قلّصت إنفاقها على الرعاية الصحيّة بين عام ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، هذه الأرقام ترتبط بشكل كبير بارتفاع معدّل البطالة الذي وصل بحسب تقديرات بعض التقارير المحليّة لتحو ٤٥٪ في ظل غياب سياسات التوظيف المجدية، وترتبط أيضًا بتآكل الأجور لدى العاملين، فإنّ الحد الأدنى للأجور(حوالي ٣٠ مليون ليرة لبنانيّة، ما يعادل ٣٠٠$ تقريبًا)، لا يكفي لتغطية الحاجات الأساسيّة.
من هنا يلجأ الشباب خاصة المتعلّمين منهم للهجرة، فأكثر من ٦٩٪ من الفئة العمريّة (بين ٢٥ و ٤٥ سنة) لديهم رغبة في الهجرة وأكثر من ٥٠٪ منهم لا ينوي العودة إلى لبنان مرّة أخرى. هذه الفئة المتعلّمة التي كلّفت الأسر والدولة الكثير في إعدادها؛ تشكّل خسارة هائلة في قطاعات حيويّة مثل الطب والتمريض والهندسة والتعليم وغيرها.. حيث تهاجر الكفاءات نحو دول الخليج وأوروبا وكندا..
إذًا،أزمة اقتصاديّة تحوّرت وتحوّلت إلى بطالة ففقر فزيادة في التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والمناطقي ومن ثم رغبة في الهجرة وبالتالي خسارة الأدمغة. ولا بد من حلول وسياسات جذريّة تلجم هذه الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والديمغرافيّة المتلاحقة. فهل سنشهد تغييرات وإصلاحات في هذه المجالات بعد شبه الاستقرار السياسي وعودة العلاقات اللبنانيّة-الدوليّة لطبيعتها؟ أم أنّ المشاكل الاجتماعيّة ستبقى في آخر سلّم تدخّلات الدولة؟
المصدر: عدنان الترك – موقع سكوبات عالمية الإخباري
International Scopes – سكوبات عالمية إجعل موقعنا خيارك ومصدرك الأنسب للأخبار المحلية والعربية والعالمية على أنواعها بالإضافة الى نشر مجموعة لا بأس بها من الوظائف الشاغرة في لبنان والشرق الأوسط والعالم