الدولار 4 780x470 1
الدولار 4 780x470 1

الاتّفاق مع الصندوق: ليس أقلّ من “طائف اقتصاديّ”

في تزامن الأحداث ما يغري بربط اتفاق لبنان مع صندوق النقد الدولي، على مستوى الخبراء، بانفراجات سياسية في الإقليم يمكن أن تمتدّ إلى الساحة المحليّة، ولا سيّما التغيرات والتحالفات اليمنية في الرياض وعودة السفير السعودي وليد البخاري إلى بيروت وبيانَيْ السفارة الأميركية وبعثة الاتحاد الأوروبي المرحّبَيْن بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. لكنّ ما هو مطلوب داخلياً لإنجاح الاتفاق مع “صندوق النقد” ليس أقلّ من “طائف اقتصادي” لا يمكن الجزم أنّ شروطه الموضوعية ناضجة.

لنضع جانباً “إغراء” السياق السياسي، ولنعد إلى السياق التقني للاتفاق مع بعثة صندوق النقد ابتداءً لتقدير حدود الممكن فيه.

يتوّج الاتفاق مباحثات تقنية لم تتوقّف حتّى حين تعطّلت جلسات مجلس الوزراء على خلفيّة مطالبة الثنائي الشيعي بتغيير المحقّق العدلي في قضية انفجار المرفأ طارق البيطار. وكان سرّ التقدّم في تلك المفاوضات اقتصارها على التقنيّين من الجانب اللبناني، وتحديداً على موظّفين في وزارة المال ومصرف لبنان، خلافاً للوفد “الائتلافي” في زمن حكومة حسان دياب الذي طغى عليه التصادم بين ممثّلي رئيس الجمهورية والأطراف الأخرى داخل الوفد. وكانت شخصية نائب رئيس الوزراء سعادة الشامي ركيزة في إدارة التوازن بين ما هو سياسي وما هو تقني، خصوصاً حين ارتفع صوت القصر الجمهوري معترضاً على “استبعاده” من المباحثات.

في مجمل هذا المسار، عمد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى تكتيك ذكيّ مستفيداً من درس حكومة دياب. فبدلاً من أن يعرض خطة التعافي على مجلس الوزراء ويغرق في الانقسام حولها، سلك الطريق المعاكس، فذهب إلى صندوق النقد الدولي، ثمّ أتى إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب باتّفاق جاهز للعرض على مجلس إدارة الصندوق يكفل للبنان الحصول على تمويل ميسّر بثلاثة مليارات دولار، ويفتح أبواباً أخرى للتمويل. أتى ميقاتي بالجزرة قبل العصا، وبات الجميع أمام ضغط تسهيل الاتفاق الناجز لئلّا يتحمّل أيّ منهم مسؤولية خسارة المليارات الثلاثة التي تعبّر عن بدء نمو الثقة الدولية والانهيار الأكبر بعد ذلك.

 

أهمّ شروط “الصندوق”

تكمن أهميّة الاتفاق على مستوى الخبراء في أنّه يضع الحكومة والقوى الممثَّلة في مجلس النواب أمام قائمة شروط محدّدة. ولهذه الشروط ركنان أساسيّان هما بمنزلة طابقين، أحدهما داخلي والآخر خارجي.

الطابق الداخلي يتمثّل بما يعرف بـ”الإجراءات المسبقة” (prior actions)، وهي عبارة عن مشاريع قوانين تتطلّب الإقرار في الحكومة ومجلس النواب قبل اجتماع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي. وقد ذكرها بيان صندوق النقد الدولي تفصيلاً في ثمانية بنود، وهي:

1- إقرار الحكومة لـ “استراتيجية إعادة هيكلة البنوك” التي تعترف مسبقاً بالخسائر الكبيرة للقطاع وتعالجها، مع حماية صغار المودعين والحدّ من اللجوء إلى الموارد العامّة.

2- إقرار قانون المعالجة الطارئة للمصارف في مجلس النواب.

3- بدء عملية تقييم لأكبر 14 بنكاً، بمساعدة خارجية وبالاتفاق مع شركة دولية ذات سمعة قويّة.

4- تعديل قانون السرّيّة المصرفية لجعله متوافقاً مع المعايير الدولية لمحاربة الفساد وإزالة العوائق أمام إعادة هيكلة القطاع المصرفي والرقابة عليه.

5- إكمال التدقيق ذي الغرض الخاص على الموجودات الخارجية لمصرف لبنان.

6- إقرار الحكومة لخطة ماليّة متوسّطة المدى واستراتيجية لإعادة هيكلة الدين، لاستعادة استدامة الدين وتوفير فسحة ماليّة للإنفاق الإضافي على الشؤون الاجتماعية وإعادة الإعمار.

7- إقرار موازنة 2022 في مجلس النواب.

8- توحيد سعر الصرف، وإقرار قانون “الكابيتال كونترول”.

الإجراءات المسبقة، وأيضاً اللاحقة، لا يمكن أن تمرّ بيُسر في مجلسَيْ الوزراء والنواب إلا بتوافق سياسي كاسح للألغام، وهذا ما حرصت الرئاسات الثلاث على الإيحاء به من خلال البيان الذي أدلى به ميقاتي بعد اجتماع بعبدا الماليّ، والذي حمل موقفاً مشتركاً من رئيسي الجمهورية والحكومة، ثمّ البيان المنفصل الذي صدر عن رئيس مجلس النواب نبيه بري معلناً “جهوزيّة المجلس النيابي لمواكبة هذا الإنجاز بالعمل وبجدّيّة كبيرة لتأمين التشريعات والإصلاحات المطلوبة الضرورية، الهادفة إلى إنجاح البرنامج المدعوم من قبل صندوق النقد”.

 

لكنّ المحكّ الفعلي لهذا التوافق لن يظهر إلا في الأفعال. وأقرب الاختبارات إقرار الموازنة وقانون الكابيتال كونترول في مجلس النواب، بالتزامن مع إقرار قانون تعديل السرّيّة المصرفية في مجلس الوزراء.

أمّا الاختبار الأكبر أمام الحكومة فهو إقرار استراتيجية إعادة هيكلة البنوك، ومشروع القانون الطارئ لمعالجة أوضاع البنوك. فهذان هما لبّ خطة التعافي الاقتصادي بنسختها المحدّثة، وما ستحمله من توزيع للخسائر واقتطاع من الودائع وقرارات كبرى في شأن إصلاح القطاع العامّ وإعادة توزيع الأعباء الضريبية وضبط المعابر الشرعية وغير الشرعية. وبنتيجتهما سيُعاد إنتاج مراكز القوى في النظام المالي وستظهر بنوك وتختفي أخرى.

 

الطابق الخارجيّ

أمّا الطابق الخارجي فهو “تأكيد الدعم المالي من الشركاء الدوليين”، وقد ذكره رئيس بعثة الصندوق أرنستو راميريز ريغو بهذه الحرفيّة في البيان الصحافي الذي وزّعه صندوق النقد، وهو شرط شائع في اتفاقيات البرامج التي يوقّعها، لتوفير مصادر تمويل مساندة، باعتبار أنّ التمويل الذي يقدّمه الصندوق، مهما بلغ، لا يكفي وحده لسدّ الفجوة الماليّة، خصوصاً في الفترة التي تسبق التوصّل إلى اتفاق مع حاملي “اليوروبوندز”، ولتمكين البلاد من العودة إلى أسواق الدين العالمية.

هذا يعني أنّ لبنان لن يستغني بأيّ حال عن المساعدات من دول الخليج أو من البنوك التنموية. في حالة مصر مثلاً، وهي بعيدة كلّ البعد عن السوء الذي وصل إليه لبنان، حصلت القاهرة بالتزامن مع المفاوضات الجارية حالياً مع صندوق النقد على وديعة من السعودية بخمسة مليارات دولار لدعم احتياطيات البنك المركزي المصري.

لذلك لا يكفي أيّ انفراج في التفاوض مع صندوق النقد الدولي، ولو ساندته أجواء سياسية داخلية ملائمة، من دون الطابق الخارجي.

 

الظروف الخارجيّة المرافقة

يصعب الركون إلى الصدفة في تفسير التزامن بين الاتفاق مع صندوق النقد والتطوّرات الخارجية المتسارعة، بدءاً من المؤشّرات المتزايدة إلى قرب التوصّل إلى اتفاق نووي، وبدء الإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجَزة في الخارج، إلى الهدنة في اليمن ومشاورات الرياض التي مهّدت لبدء التفاوض بين الحوثيين والسلطة المعترف بها دولياً. وعلى المستوى المحلي، يتزامن ذلك مع عودة سفراء دول مجلس التعاون إلى بيروت وبيانين داعمين لاتفاق لبنان مع صندوق النقد الدولي من كلّ من السفارة الأميركية وبعثة الاتحاد الأوروبي.

يمكن التوقّف في بيان السفارة الأميركية تحديداً عند الإشادة “بالعمل الجادّ الذي قام به وفد الصندوق وفريق رئيس الحكومة”، بما تحمله من تجيير لهذا “الإنجاز” إلى ميقاتي دون سواه، لتعطي إشارة ربّما إلى ربط هذا الاتفاق بالاتجاه المستقبلي للحالة السياسية بعد الانتخابات النيابية.

لكنّ ذلك كلّه يبقى عرضةً لمصير ليس أفضل ممّا آل إليه مؤتمر “سيدر”. فالاتفاق مع صندوق النقد محفوف بالشروط المستعصية. يمكن التساؤل بالحدّ الأدنى عمّا إذا كان ممكناً المضيّ بورشة إعادة هيكلة بهذا العمق للقطاع المصرفي مع إبقاء “جمعية القرض الحسن” خارج النظام المالي الشرعي، مع علم الجميع أنّ هذه الجمعية باتت أكبر بنك في لبنان بأكثر من مئتي ألف مودع ومئة ألف مقترض على الأقلّ. إلا إذا كان المطلوب أن تصبح الدولة بسلاحين ونظامين ماليّين.

حين كان الفرقاء اللبنانيون مجتمعين في الدوحة بعد أحداث 7 أيار 2008، راهن كاتب كويتي معروف بأنّه سيحلق نصف شاربه إذا توصّل هؤلاء إلى اتفاق. كانت الصورة لا توحي له بأنّه يخاطر بشاربه الأبيض الكثيف.

“الطائف الاقتصادي” المطلوب هذه المرّة أكبر بكثير من نظام “اتفاق الدوحة” الذي قاد البلاد إلى الإفلاس خلال عشر سنوات.

ألمصدر : اساس ميديا – عبادة اللدن

عن Mohamad Jamous

شاهد أيضاً

Crisis، Currency، Currency Board، Currency Exchange Rate، Currency Exchange Rate In Lebanon، Dollars Currency، Economy، Economy Crisis، Economy News، Lebanese Crisis، Lebanese Currency Exchange Rate، Lebanese Economy، Lebanese Economy Crisis، Lebanese Economy News، Lebanon Economy، Lebanon Economy News، The Lebanese Economic Crisis، The Lebanese Economy، The Lebanon Economic Crisis، أخبار إقتصادية، أخبار إقتصادية لبنانية، أخبار إقتصادية لبنانية محلية، أخبار إقتصادية محلية، أخبار إقتصادية محلية لبنانية، أخبار اقتصادية و سياسية في لبنان، إقتصاد، الأزمة الإقتصادية، الأزمة الإقتصادية اللبنانية، الأزمة الإقتصادية المحلية، الأزمة الإقتصادية في لبنان، الإقتصاد اللبناني، الإقتصاد في لبنان، تحديث سعر صرف الدولار الآن، سعر صرف الدولار، سعر صرف الدولار اليوم، سعر صرف الدولار اليوم السوق السوداء لحظة بلحظة، سعر صرف الدولار اليوم في السوق السوداء، سعر صرف الدولار اليوم في لبنان، سعر صرف الدولار اليوم في لبنان لحظة بلحظة، سعر صرف الدولار اليوم لبنان، سعر صرف الدولار اليوم لحظة بلحظة، سعر صرف الدولار في لبنان، سعر صرف الدولار في لبنان اليوم، سعر صرف الدولار في لبنان اليوم عند الصرافين، سعر صرف الدولار في لبنان لحظة بلحظة، سعر صرف الدولار لحظة بلحظة، سعر صرف الدولار لحظة بلحظة في لبنان، سعر صرف الدولار لحظة بلحظة… إليكم كم التسعيرة الحالية، تحليل الأزمة الاقتصادية في لبنان، الأسباب الكامنة وراء تدهور الاقتصاد اللبناني، أثر الأزمة الاقتصادية على حياة اللبنانيين، السياسات الاقتصادية في لبنان وتأثيرها على العملة، الدولار في السوق السوداء اللبنانية، أسعار الصرف الرسمية مقابل السوق السوداء في لبنان، التوقعات المستقبلية لسعر صرف الدولار في لبنان، تاريخ سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية، استراتيجيات التكيف مع الأزمة الاقتصادية في لبنان، الدولار الأمريكي وتأثيره على الاقتصاد اللبناني، تحليل اقتصادي للوضع في لبنان، البنوك اللبنانية وأسعار صرف الدولار، التحديات الاقتصادية في لبنان، أحدث الأخبار الاقتصادية اللبنانية، التوقعات الاقتصادية للبنان، التحليلات الاقتصادية اليومية في لبنان، مستقبل الاقتصاد اللبناني، أخبار الدولار في لبنان، سعر صرف الدولار الرسمي اليوم في لبنان، أزمة الدولار في لبنان، التحديثات اليومية لسعر الدولار في لبنان، التحليل المالي للأزمة اللبنانية، أخبار السوق السوداء اللبنانية، أزمة العملة في لبنان، أثر الأزمة الاقتصادية على الليرة اللبنانية، التحليلات الاقتصادية عن لبنان، أخبار الدولار لحظة بلحظة في لبنان، مقارنة سعر الدولار بين الأسواق الرسمية والسوق السوداء، أهم الأخبار الاقتصادية في لبنان، أزمة السيولة المالية في لبنان، أخبار السوق المالية اللبنانية، تحليل سياسي اقتصادي للأزمة اللبنانية، الدولار في البنوك اللبنانية والسوق السوداء، التوجهات الاقتصادية في لبنان، سعر صرف الدولار في السوق السوداء اللبنانية، الوضع الاقتصادي الراهن في لبنان، تحليل سعر صرف الليرة اللبنانية، استراتيجيات الاستقرار الاقتصادي في لبنان، الأزمة المالية اللبنانية وأثرها على العملة، الاقتصاد العالمي وتأثيره على سعر صرف الدولار في لبنان، التحولات الاقتصادية في لبنان، تطور الأزمة الاقتصادية اللبنانية

إليكم سعر صرف الدولار اليوم

سعر صرف الدولار الآن سعر صرف الدولار اليوم لحظة بلحظة اضغط هنا لرؤية التسعيرة المستجدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *